إخوان الصفاء
62
رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء
وهو أنهم يظنون أن جهنم هي خندق محفور ، كبير واسع ، مملوء من نيران تشتعل وتلتهب ، وأن اللّه تعالى يأمر الملائكة قصدا منه وغيظا على الكفّار أن يأخذوهم ويرموا بهم في ذلك الخندق . ثم إنه كلما أحرقت أجسادهم وصارت فحما ورمادا ، أعاد فيها الرطوبة والدم حتى يشتعل من الرأس ثانيا كما اشتعل أول مرة . وهكذا يكون دأبهم أبدا ، ويحتجون بقوله تعالى : « كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْناهُمْ جُلُوداً غَيْرَها لِيَذُوقُوا الْعَذابَ . » ولا يدرون معنى قوله تعالى ولا تأويل كتابه ، انهم إذا سمعوا أن اللّه غفور رحيم حنّان منّان رؤوف ودود ، وما شاكل ذلك من أسمائه الحسنى ، وتفكروا فيها أنكرت عليهم عقولهم ما اعتقدوا فيه من الحقد وقلة الرّحمة لخلقه ، فعند ذلك يتحيرون ويتشكّكون فيما أخبرت به الأنبياء ، عليهم السلام ، إذ لا يعرفون شيئا عن صفة جهنم وعذاب أهلها ، ولا يعرفون تأويل كتبهم ولا معاني إشاراتهم ورموزاتهم ودقائق أسرارهم . فهكذا إذا سمعوا ذكر الجنة ونعيمها وسرور أهلها ولذاتهم ، فلا يتصورونها إلّا أمورا جسمانية شبه بساتين فيها أشجار وعليها ثمار ، وقصور بينها أنهار ، وفي تلك القصور حور وغلمان وولدان مردان على أمثال أبناء الدنيا ونعيم أهلها . وإذا سمعوا بأن أهل الجنة في جوار الرحمن حيث قال : في مقعد صدق عند مليك مقتدر ، وأنهم يزورون رب العالمين فيرونه وينظرون إليه ، كما قال تعالى : « وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ » ، وأن الملائكة يزورونهم بالهدايا والتّحف كما قال اللّه تعالى : « وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بابٍ » وما شاكل هذا من وصف أهل الجنة من شرب الشّراب أو مباشرة مع الأبكار ، وأنهم أحياء لا يموتون ، وشبان لا يهرمون ، وأصحّاء لا يمرضون ولا يجوعون ولا يعطشون ، ويأكلون ويشربون ولا يبولون ولا يتغوّطون وما شاكل هذه من الصفات التي لا تليق بأجسام الطبيعة الكائنة الفاسدة فضلا بالأشياء الروحانية .